إخوان الصفاء

91

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ثم أراد اللّه تعالى أن ينبّهه من نوم غفلته ورقدة جهالته ، ويري للعباد قدرته ، ويجعله عبرة لغيره ، وعظة لمن سواه ؛ فبينما هو ليلة نائم على فراشه فوق سريره ، معانقا لحبيبته ، وأبواب داره مغلقة ، وستوره مسبلة ، وحول سريره شموع تزهر ، وعلى أبواب داره خدمه وغلمانه مستيقظون ، إذ رأى ، فيما يرى النائم ، كأنه في برّية قفرة وحده ، وهو عريان جائع ، عطشان ، وبدنه مسودّ ، وشعره طويل ، وجسده ملوّث برجيع « 1 » ما في جوفه ، وعلى ظهره ثقل ثقيل . وإذا هو بأسودين منكرة خلقتهما ، طويلة قامتهما ، وعيونها تبرق ، ومن مناخرهما يخرج الدّخان ، ومن شدقيهما تلتهب النيران ، وبأيديهما حراب حداد ، وهما يقربان نحوه ليأخذاه . فلما رآهما ولّى هاربا من بين أيديهما ، وهما يتبعانه ، حتى إذا أمعن في هربه ، إذا هو بجبل شاهق فيه طريق ضيّق ، وعر مسلكه ، فسلكه بمشقّة شديدة وعناء طويل ، حتى إذا انتهى إلى قمّته ، هوى من الجانب الآخر في واد ، منكّسا على رأسه ، حتى وقع في بئر يخرج منها دخان معتكر يأخذ بالأنفاس ، وهب يشوي الوجوه . والأسودان في أثره لا يفارقانه . فمن هول ما رأى وعظم ما عاين ، وشدّة ما لقي ، صرخ في منامه صرخة ، واضطرب اضطرابا شديدا ، ووقع من سريره إلى الأرض ، وانتبه كلّ من كان في داره ، ومن حوله من جيرانه ، من شدّة زعقته . وطاش عقله ، وشخصت عيناه ، وارتعدت مفاصله ، وعقل لسانه . واجتمع حوله كلّ من كان في داره ، من خدمه وغلمانه وأقربائه ، يسألون : ما الذي أصابه ؟ فلم يطق جوابا بقية ليلته ، حتى أصبحوا ، وجمع له المعزّمون « 2 » والراقون . وظنّوا أنه أصابه لمم « 3 » من الجنّ ، أو سحر من الأعداء ،

--> ( 1 ) الرجيع : الروث . ( 2 ) المعزمون : الذين يقرأون الرقى . ( 3 ) اللهم : مسّ من الجن .